ابن رشد

61

تهافت التهافت

قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل لقولنا : كان اللّه تعالى ولا عالم ، مفهوم ثالث سوى وجود الذات ، وعدم العالم ، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل كان ، وجود ذات وعدم ذات حاصلا ، ولم يصح أن يقال : كان اللّه ولا عالم . بل الصحيح أن يقال : يكون اللّه ، ولا عالم . ويقال للماضي : كان اللّه ولا عالم . فبين قولنا : « كان » و « يكون » فرق ؛ إذ ليس ينوب أحدهما مناب الآخر . فلنبحث عما يرجع إليه الفرق . ولا شك في أنهما لا يفترقان في وجود الذات ، ولا في عدم العالم ، بل في معنى ثالث . فإنا إذا قلنا ؛ لعدم العالم في المستقبل : كان اللّه تعالى ، ولا عالم . قيل لنا : هذا خطأ . فإن « كان » إنما تقال على « ماض » . فدل على أن تحت لفظ « كان » مفهوما ثالثا وهو الماضي . والماضي بذاته هو الزمان . والماضي بغيره هو الحركة ، فإنها تمضي بمضي الزمان . فبالضرورة يلزم أن يكون قبل العالم زمان قد انقضى ، حتى انتهى إلى وجود العالم . قلت : حاصل هذا الكلام أن يعرفهم أن في قول القائل : كان كذا ، ولا كذا ؛ ثم كان كذا وكذا ، مفهوما ثالثا وهو الزمان . وهو الذي يدل عليه لفظ « كان » بدليل اختلاف المفهوم في هذا المعنى ، في الماضي والمستقبل . وذلك أنه إذا قدرنا وجود شيء ما ، مع عدم آخر ، قلنا : كان كذا ولا كذا . وإذا قدرنا عدمه مع وجوده في المستقبل ، قلنا : يكون كذا . فتغير المفهومين يقتضي أن يكون هاهنا معنى ثالث ، ولو كان قولنا : كان كذا ، ولا كذا ، لا يدل لفظ « كان » على معنى . لكن لا يفترق قولنا : « كان » و « يكون » ، وهذا الذي قلناه كله بيّن بنفسه . لكن هذا لا شك فيه عند مقايسة الموجودات بعضها إلى بعض ، في التقدم والتأخر إذا كانت مما شأنها أن تكون في زمان . فأما إذا لم تكن في زمان فإن لفظ « كان » وما أشبهه ليس يدل في أمثال هذه القضايا إلا على ربط الخبر بالمخبر ، مثل قولنا : « وكان اللّه غفورا رحيما » . وكذلك إن كان أحدهما في زمان والآخر ليس في زمان مثل قولنا : كان اللّه تعالى ولا عالم ، ثم كان اللّه تعالى والعالم . فلذلك لا يصح في مثل هذه الموجودات هذه المقايسة التي تمثل بها . وإنما تصح المقايسة صحة لا شك فيها إذا ما قسنا عدم العالم مع وجوده ، لأن عدمه مما يجب أن يكون في زمان ، إن كان العالم وجوده في زمان . فإذا لم يصح أن يكون عدم العالم في وقت وجود العالم نفسه ، فهو ضرورة